الزركشي

73

البرهان

صلى الله عليه وسلم لم يعلم المتشابه ، فإذا جاز أن يعرفه الرسول مع قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته ، والمفسرون من أمته . ألا ترى أن ابن عباس كان يقول : أنا من الراسخين في العلم ، ويقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف : ( ما يعلمهم إلا قليل ) ( 1 ) : أنا من أولئك القليل . وقال مجاهد في قوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) : يعلمونه و ( يقولون آمنا به ) ، ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلا أن يقولوا : ( آمنا ) لم يكن لهم فضل على الجاهل : لأن الكل قائلون ذلك ، ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شئ من القرآن فقالوا : هو متشابه لا يعلمه إلا الله ، بل أمروه على التفسير ، حتى فسروا الحروف المقطعة . فإن قيل : كيف يجوز في اللغة أن يعلم الراسخون ، والله يقول : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) ، وإذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله : ( يقولون ) لأنه ليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين ! قلنا : إن ( يقولون ) هنا في معنى الحال ، كأنه قال : ( والراسخون في العلم ) قائلين آمنا ، كما قال الشاعر ( 2 ) : الريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في غمامه أي لامعا " . وقيل : المعنى : ( يعلمون ويقولون ) ، فحذف واو العطف ، كقوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) ( 3 ) ، والمعنى : يقولون : علمنا وآمنا ، لأن الإيمان قبل العلم محال